الغزالي
35
إحياء علوم الدين
وفي أثناء هذه المجاهدة قد يفسد المزاج ، ويختلط العقل ، ويمرض البدن ، وإذا لم تتقدم رياضة النفس وتهذيبها بحقائق العلوم ، نشبت بالقلب خيالات فاسدة ، تطمئن النفس إليها مدة طويلة ، إلى أن يزول وينقضي العمر قبل النجاح فيها فكم من صوفي سلك هذا الطريق ، ثم بقي في خيال واحد عشرين سنة ، ولو كان قد أتقن العلم من قبل ، لا نفتح له وجه التباس ذلك الخيال في الحال . فالاشتغال بطريق التعلم أوثق وأقرب إلى الغرض وزعموا أن ذلك يضاهي ما لو ترك الإنسان تعلم الفقه ، وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعلم ذلك ، وصار فقيها بالوحي والإلهام ، من غير تكرير وتعليق ، فأنا أيضا ربما انتهت بي الرياضة والمواظبة إليه . ومن ظن ذلك فقد ظلم نفسه ، وضيع عمره ، بل هو كمن يترك طريق الكسب والحراثة ، رجاء العثور على كنز من الكنوز ، فإن ذلك ممكن ، ولكنه بعيد جدا . فكذلك هذا . وقالوا لا بد أولا من تحصيل ما حصله العلماء ، وفهم ما قالوه ، ثم لا بأس بعد ذلك بالانتظار لما لم ينكشف لسائر العلماء ، فعساه ينكشف بعد ذلك بالمجاهدة بيان الفرق بين المقامين بمثال محسوس اعلم أن عجائب القلب خارجة عن مدركات الحواس ، لأن القلب أيضا خارج عن إدراك الحس . وما ليس مدركا بالحواس تضعف الأفهام عن دركه إلا بمثال محسوس . ونحن نقرب ذلك إلى الأفهام الضعيفة بمثالين : أحدهما : أنه لو فرضنا حوضا محفورا في الأرض ، أحتمل أن يساق إليه الماء من فوقه بأنهار تفتح فيه ، ويحتمل أن يحفر أسفل الحوض ، ويرفع منه التراب ، إلى أن يقرب من مستقر الماء الصافي ، فينفجر الماء من أسفل الحوض ، ويكون ذلك الماء أصفى وأدوم ، وقد يكون أغزر وأكثر . فذلك القلب مثل الحوض ، والعلم مثل الماء ، وتكون الحواس الخمس